نوقشت بقسم الآثار في كلية الآداب بجامعة بغداد رسالة الماجستير الموسومة: مجمع الآلهة الكاشية (دراسة آثارية- فنية)، للطالب أحمد عبدالزهرة رسن.

هدفت الرسالة الموسومة مجمع الآلهة الكاشية (دراسة آثارية- فنية)، لتقديم دراسة شاملة لمجمع الآلهة الكاشية، والتي تُعد أحد الجوانب المهمة في دراسة الحضارة الكاشية التي حكمت بلاد بابل وبلاد الرافدين عمومًا خلال الألف الثاني قبل الميلاد، ويعود اختيار هذا الموضوع إلى عدم وجود دراسات عربية مستقلة تناولت مجمع الآلهة الكاشية بصورة شاملة، إذ اقتصرت معظم الدراسات على ذكر بعض أسماء الآلهة أو على إشارات جزئية ضمن سياقات أوسع، مما يجعل هذه الدراسة ضرورية لتقديم معالجة شاملة للمجمع من خلال التعرف على أسماء الآلهة الكاشية ووظائفها في المجتمع والدين، ودراسة أصول هذه الآلهة وصيغها الكتابية، فضلاً عن تقديم مقارنة هذه الآلهة بنظيراتها من حضارات أخرى لتوضيح مظاهر التأثر المتبادل، وكذلك فهم دور الدين في حياة الكاشيين اليومية والسياسية والإجتماعية، وركز البحث على دراسة الكاشيين في الألف الثاني قبل الميلاد لتشمل الحدود المكانية والمواقع التي تحتوي على نصوص وآثار موثقة تتعلق بالكاشيين، مثل نيـبور ( نفر)، بابل، دور يكالزو (عقرقوف)، وآشور ونوزي، وسوسة، وجبال زاكروس وبلاد الشام، لتوضيح أصولهم، ومسارات هجرتهم، وانتشارهم، وحكمهم، واعتمدت الدراسة على المنهج التحليلي مقارن لدراسة الكاشيين ومجمع الآلهة الكاشية، يجمع بين تحليل النصوص المسمارية، قوائم، الأسماء الشخصية، والنتاجات الفنية، ودراستها من حيث وصف المشاهد والرموز الدينية وتحليلها، كما تم مقارنة الآلهة الكاشية بنظيراتها في حضارات أخرى، مع التركيز على أوجه التشابه والإختلاف، بهدف تقديم صورة شاملة ودقيقة لمجمع الآلهة الكاشية وفهم دورها في حياة الكاشيين اليومية والسياسية والإجتماعية.

أما أهم النتائج المتحققة من هذه الدراسة هي أن أن الدين أحد الركائز الأساسية في حياة شعوب الشرق الأدنى القديم، إذ برز في بلاد الرافدين نظام ديني هرمي قائم على تعدد الآلهة، وقد تأثر الكاشيون بهذا النظام بعد دخولهم بابل، فتبنّوا عددًا من آلهة بلاد الرافدين إلى جانب آلهتهم المحلية، مع الحفاظ على خصوصيتهم الدينية ضمن الإطار البابلي، ويرجّح أن أصل الكاشيين يعود إلى جبال زاكروس، وأنهم دخلوا بلاد الرافدين عبر موجات هجرة متعاقبة حتى تمكنوا من تأسيس سلالة بابل الثالثة وحكم البلاد نحو أربعة قرون، وتميز عصرهم بالإستقرار السياسي ووحدة المملكة، إضافة إلى نشاط دبلوماسي واسع وعلاقات مع القوى الإقليمية، فضلاً عن ازدهار العمران والإدارة والإقتصاد والحرف، واعتماد الديانة البابلية رسميًا مع استمرار عناصرهم الدينية الخاصة.

وكشفت الدراسة أن الديانة الكاشية كانت متعددة الآلهة، وأن مجمع آلهتهم ضم عناصر متنوعة الأصول، بعضها محلي كاشي وبعضها متأثر بديانات بلاد الرافدين والمناطق المجاورة، ويُرجح أن الإله خاربي كان على رأس المجمع، في حين ارتبط الإلهان شوقامونا وشوماليا بالسلطة الملكية بوصفهما حاميي الملوك ومنصِّبيهم، كما تشير دراسة ترتيب الآلهة الرئيسة والآلهة الثانوية في القوائم الثنائية إلى أن تنظيم مجمع الآلهة الكاشية اعتمد تسلسلاً داخليًا يرتبط بعناصر كونية تَرِد بعد أسماء الآلهة، مما يرجّح تصورًا هرمياً قائماً على النظام الكوني، وبناءً على هذا التسلسل، فأن من المرجح أن مجمع الآلهة الكاشية تكوّن وفق بنية هرمية كونية خماسية تشمل السماء والقمر والشمس والأرض والرياح.

وأظهرت النصوص المسمارية والأسماء الشخصية والأختام وأحجار الكودورو أدلة واضحة على مكانة هذه الآلهة ووظائفها، إذ مثّلت الرموز الإلهية وسيلة لتأكيد الشرعية الملكية وتوثيق الهبات والإتفاقات، كما كشفت النتاجات الفنية عن تفاعل ديني وثقافي بين الكاشيين والشعوب المجاورة، ولا سيما العيلاميين وسكان المناطق الشرقية.

وتوصلت الدراسة إلى أن الكاشيين نجحوا في تحقيق توازن بين الإندماج في الحضارة البابلية والحفاظ على هويتهم الدينية الخاصة، مع احتمال ممارستهم بعض عباداتهم داخل الإطار الملكي، الأمر الذي يفسر محدودية الأدلة الأثرية على معابد خاصة بهم، وبذلك يُعد مجمع آلهتهم انموذجاً واضحًا للتفاعل الحضاري والديني في الشرق الأدنى القديم.

Comments are disabled.